يرسم الكاتب غيث عبد الأحد مشهدًا إنسانيًا كثيف التفاصيل لمدينة حلب بعد عام على فرار بشار الأسد وانهيار نظامه، حيث يعود الناس إلى أحياء مدمرة، لا بوصفهم منتصرين، بل ناجين يحاولون استعادة ما تبقى من حياة. يرافق التقرير سكانًا عادوا إلى بيوت بلا أسقف، وشوارع بلا كهرباء أو ماء، ومدينة تحاول الوقوف على عكاز الذاكرة.


يوضح تقرير الجارديان أن قرابة ثلاثة ملايين سوري عادوا إلى البلاد بعد سقوط النظام، كثير منهم وجدوا أنفسهم في أحياء أشباح، وسط تضخم خانق وارتفاع جنوني في الإيجارات، ما دفعهم إلى الاحتماء بأنقاض منازلهم القديمة، رغم المخاطر البنيوية الواضحة.


عودة إلى بيوت بلا حياة


في حي العامرية، أحد ضواحي حلب الجنوبية، تظهر الحياة في أبسط صورها: بائع كباب يشعل النار تحت بناية مقطوعة نصفها العلوي، وأطفال يلهون قرب دراجة صدئة، ورجل ينبش الركام بيديه ليجمع حجارة يعيد استخدامها في ترميم بيته. يعكس المشهد حال آلاف الشوارع السورية، حيث يحاول الناس إعادة البناء دون دعم منظم أو خطة شاملة.


يعود أبو عرب، أحد سكان الحي، إلى منزل عائلته بعد 13 عامًا من النزوح. يقف البيت بلا سقف، أعمدته مكشوفة وجدرانه مثقوبة، لكن تظهر فيه آثار ترميم بدائي. يحرس الرجل أكياس الإسمنت بنفسه ليلًا خوفًا من السرقة، ويصعد درجًا متصدعًا إلى غرفة طفولته المفتوحة على السماء. يستعيد تفاصيل حياته القديمة، بينما تنتظر زوجته وأطفاله في شقة مستأجرة خارج الحي.


يحذر سياسي محلي في حلب من خطورة هذا “الإعمار الفردي”، إذ تفتقر معظم المباني إلى السلامة الإنشائية، لكنه يعترف بأن الناس لا تملك بديلًا في ظل العجز عن دفع الإيجارات أو العيش في المخيمات.
مدينة عريقة تحت الأنقاض


تحمل حلب تاريخًا يمتد خمسة آلاف عام، ازدهرت خلالها كمركز تجاري وصناعي يربط المتوسط ببلاد الرافدين. حافظت المدينة على طابعها الخاص في عمارتها وأسواقها ونسيجها الاجتماعي المتعدد، خاصة في المدينة القديمة وأسواق “المدينة” المسقوفة. ورغم الحروب والأوبئة والغزوات، احتفظت حلب بهويتها حتى اندلاع الثورة السورية.


حين اندلعت الاحتجاجات عام 2011، بقيت حلب بعيدة نسبيًا عن المشهد الثوري، قبل أن تدخل الحرب بقوة في صيف 2012. حوّلت المعارك الشرسة أحياءها إلى ساحات قنص، واستُخدمت أنفاق مفخخة أدت إلى انهيار مبانٍ كاملة، بما فيها مواقع تاريخية. احترقت أجزاء واسعة من سوق المدينة، وسقط مئذنة الجامع الأموي، وضاعت مخطوطات لا تُقدّر بثمن.


بعد انسحاب الفصائل المعارضة عام 2017، تحولت أحياء كثيرة إلى مناطق مهجورة. منعت السلطات عودة السكان إلى بعض المناطق ذات الأهمية العسكرية، بينما جرى تفكيك أبنية كاملة وبيع محتوياتها، تاركة خلفها هياكل خرسانية وصورًا ضخمة للأسد.


بين الذاكرة والخوف من الغد


في قلب الأسواق القديمة، يجلس أنس، تاجر أقمشة سابق، وسط خان مدمر جزئيًا، بعد أن زاد زلزال 2023 من حجم الدمار. يستعيد الرجل ماضيه كتاجر ناجح، ثم يروي كيف دفعه الإذلال على يد شرطة النظام إلى حمل السلاح والانخراط في التمرد. بعد هزيمة الفصائل، غادر إلى تركيا، وأعاد بناء تجارته هناك، لكن حنينه إلى حلب لم يفارقه.


تبدأ بعض الأسواق بالانتعاش، حيث أعيد ترميم تسعة من أصل 54 سوقًا، وعادت الحركة إليها جزئيًا. في المقابل، تبقى مساحات واسعة مدمرة، بأسقف محترقة وجدران مثقوبة، بينما يجلس التجار أمام محالهم المهدمة، رافضين مغادرة المكان الذي صنع هويتهم.


تواجه المدينة تحديًا جديدًا مع تدفق البضائع الصينية الرخيصة بعد خفض الرسوم الجمركية، ما يهدد ما تبقى من صناعات محلية. يرى أنس أن حماية الإنتاج المحلي قد تعيد آلاف فرص العمل، دون حاجة لتدخل دولي.


في الأسابيع الأخيرة، اندلع توتر جديد في أحياء كردية داخل حلب، مع عمليات اعتقال ونزوح مدنيين، ما يعيد شبح الحرب. يصف سياسي محلي المشهد بأنه استعادة لصور البدايات الأولى للصراع، وسط عجز عن التوصل إلى تسوية بين الحكومة والقوى الكردية.


بين الركام، تبدو حلب مدينة تعيش بين زمنين: ماضٍ مثقل بالذاكرة، وحاضر هش، ومستقبل غامض. لا يثق أبو عرب ولا غيره بثبات التحولات السياسية، ويحتفظ حتى براية النظام القديم “تحسبًا لما قد يأتي”. هكذا، لا يطرح السؤال عن إعادة إعمار حلب بوصفه مشروعًا هندسيًا فقط، بل بوصفه صراعًا طويلًا مع الخوف، والذاكرة، وعدم اليقين، حيث يحاول الناس هزيمة الدمار حجرًا فوق حجر.

 

https://www.theguardian.com/world/2026/jan/20/out-of-the-ruins-will-aleppo-ever-be-rebuilt